جريدة المدينه السعوديه
الأربعاء, 27 أغسطس 2008
عبدالله محمد أبكر
ما الشام مقصدنا كلا ولا حلب
لكن لمكة منا ترحل النجب
أم الرى لست أنسى إذ تقربني
والدمع مع فرحي في حجرها صبب)
(بالأمس ظل الغيم.. الغيم وهو يسري
راعي الرقم والخال بالزين يلاطفني
تكذب عليّ وتقول كل يوم باكر
كل لوصله نال وانت مسمسمني)
(أمسيت في أسرى الذي ملكني.. خاضع ذليل
لا هو سمح بالبيع ولم عتقني.. كيف السبيل
ومن عشق يصبر على التجني.. صبرا جميل)
(لا إله إلا الله.. جينا نبرح بيت الله)
(لمبتي يا لمبة.. إيه يا لمبة لمبتي يا لمبة
لمبة في الشبيكة لمبة في الشامية)
لكن لمكة منا ترحل النجب
أم الرى لست أنسى إذ تقربني
والدمع مع فرحي في حجرها صبب)
(بالأمس ظل الغيم.. الغيم وهو يسري
راعي الرقم والخال بالزين يلاطفني
تكذب عليّ وتقول كل يوم باكر
كل لوصله نال وانت مسمسمني)
(أمسيت في أسرى الذي ملكني.. خاضع ذليل
لا هو سمح بالبيع ولم عتقني.. كيف السبيل
ومن عشق يصبر على التجني.. صبرا جميل)
(لا إله إلا الله.. جينا نبرح بيت الله)
(لمبتي يا لمبة.. إيه يا لمبة لمبتي يا لمبة
لمبة في الشبيكة لمبة في الشامية)
هكذا كانت تردد (الأول) جمهرة رجال الصهبة في بيت هلال ثيث، وتردد (الثاني) فتوة حارة الشامية ومطاليقها من أهل المزمار في برحاتها، بهذه المفردات اللغوية والمعاني والأوصاف ذات الخصوصية المكانية والغزلية الرمزية، بهذه الثقافة الحاراتية المكية المتزامنة مع صبيحة الأنواء التراثية والجغرافية التي كان التبادل بها بين أهل الحارة يمثل بعض والوظائف التضارسية والمناخية في نقل الأخبار والإعلام والمباشر في مجتمع يتطلع كل يوم إلى نتاجه وحصاد آماله من تراكمات الكد والعناء، ومن طول الصبر على رؤية ما تجسد سابقا في القلوب من صور الفرح والاحتفاء.
ولكن اليوم.. لم تعد تلك المتجاوبات والبواعث الروحية، فقد انطفأت أتاريك الشامية ولمبة الشامية.. وباتت الشامية في ظلام حالك، إلى أن أصبحت بلا قيراط أو حتى وزن (الوقية) من ذهب المعاني التي كان ينادي بها مطاليق الحارة (يا لشامية أهل الذهب بالوقية) لم يبق اليوم حتى جرام الذهب الخالص من البهرجة التجارية والاجتماعية. بل لم تعد حتى موازين الريس والألفي وعبدالغني الصائغ تصيغ بعض مفرادات المعاملة الذهبية التي كانت سائدة لأخلاقهم، وماثلة في واجهات دكاكينهم العتيقة في زقاق الصوغ.
ولم يعد كذلك تداول الأسر (الحريم خاصة) للذهب (بناجر وأخراص وسلاسل) إحدى وسائل حفظ المال في (البقش) أو في صناديق (السيسم) من ذوات البركة الكثيرة في الأحجام وفي القيمة الشرائية، والاحتفاظ بها كصورة لكسر صلابة الملمات والضائقات المالية في الزمن الصعب.
ولم يعد كذلك تداول الأسر (الحريم خاصة) للذهب (بناجر وأخراص وسلاسل) إحدى وسائل حفظ المال في (البقش) أو في صناديق (السيسم) من ذوات البركة الكثيرة في الأحجام وفي القيمة الشرائية، والاحتفاظ بها كصورة لكسر صلابة الملمات والضائقات المالية في الزمن الصعب.
إنها أخبار وقصص حارة الشامية تلك البقعة من التربة التي أتاحت لسكانها رسم حكايات الحياة على ثراها الندية، بخطوط وأسماء وأجساد تعاقدت أفكارها على مسايرة الحياة، الحياة المنازعة للآمال والرغبات، وعقول دافعت عن الحقوق فكرا وتراثا وتاريخا وانتماء، وحرصت على مواصلة دور النماء للتسلسل الإنساني الديموغرافي.
ولكن هل أصبح الماضي الجميل بكل جزئياته ذكريات خالصة أو فالصة؟ دون التفعيل الحي و(الحار بناره) لكثير من الوظائف الروحية المخففة من واقع الحياة الصارم خصوصاً طبيعة الأوضاع النفسية والاقتصادية التي تباغت ولو يوماً حياة الإنسان.
وهل اصبحت آثار الاقدام الخارجة من البيوت بخطى في الأزقة والبرحات وجولات في النوادي والأسواق، وهل ما حملت الأكتاف من ماء في (الزفة) بواسطة اخشاب (البُمبي) التي توارت عن البازان الشامية، لتلتقي رؤوسا ببرحة القطان، استخبرت هي الاخرى وتعلمت تحت ظلال أشرعة دكاكين سويقة،
وهل اصبحت آثار الاقدام الخارجة من البيوت بخطى في الأزقة والبرحات وجولات في النوادي والأسواق، وهل ما حملت الأكتاف من ماء في (الزفة) بواسطة اخشاب (البُمبي) التي توارت عن البازان الشامية، لتلتقي رؤوسا ببرحة القطان، استخبرت هي الاخرى وتعلمت تحت ظلال أشرعة دكاكين سويقة،
وما تتابع من اهتمامات العمد ومتابعات النقيب ومراقبات العسة وحراسات أولاد الحارة بين شيء من الظلام وأضواء الاتاريك، ورجال آخرون (ندروا) بعجائب من وصفات وتركيبات دوائية من حكماء وأطباء (قاعة الشفا) ، وآخرون من فنون ثقافة (العيش والملح) التقطوها من عفوية جلساء قهاوي ومراكيز الحارة
.
و(الحريم) صائحات من بين ثقوب الرواشين وطيق الشيش، حتى وهن في (المركب) كن يتابعن بصراخ قلوبهن هموم أزواجهن، وأقدام أولادهن، ويستخبرن عن سلامة الجيران في الحارة، ويحذرن أولادهم من مجالسة رفقاء السوء، حتى اللعب معهم برش الماء والتراب، وكن يدافعن عن صغير ورطب البدن، فتخرج الخالة والجدة ( بعصايتها) تؤدب قليل الأدب في الحارة دون استثناء، والرجال يؤيدنها بل ويحتمين بها امام الرجال حينما يقدمونها في حل نزاعات ومشاغب الأولاد الأسرية فهي أدرى بأم زيد وأم عمرو، وحسب أبوهما انتظار النتائج، وذلك نوع من اخماد نيران مضاربات ومشكلات الأولاد التي تزل في مضمارها اقدام الكبار.
و(الحريم) صائحات من بين ثقوب الرواشين وطيق الشيش، حتى وهن في (المركب) كن يتابعن بصراخ قلوبهن هموم أزواجهن، وأقدام أولادهن، ويستخبرن عن سلامة الجيران في الحارة، ويحذرن أولادهم من مجالسة رفقاء السوء، حتى اللعب معهم برش الماء والتراب، وكن يدافعن عن صغير ورطب البدن، فتخرج الخالة والجدة ( بعصايتها) تؤدب قليل الأدب في الحارة دون استثناء، والرجال يؤيدنها بل ويحتمين بها امام الرجال حينما يقدمونها في حل نزاعات ومشاغب الأولاد الأسرية فهي أدرى بأم زيد وأم عمرو، وحسب أبوهما انتظار النتائج، وذلك نوع من اخماد نيران مضاربات ومشكلات الأولاد التي تزل في مضمارها اقدام الكبار.
فهل اصبح مثل هذا كله مما أكل عليه الدهر وشرب، ورفاتا او مومياء يمر بها بعضنا دون اعتبار، او تقييم لمعانيها الجوهرية، وفوائدها الغنية، او الوقوف للبكاء على موت بعض الاخلاق الجميلة والآداب النبيلة، او استقراء صور من مجريات تلك الحارة التي ما فتئت تفتت الصعوبات وتذلل الظروف النفسية والأجواء الخارجية المتقلبة.. لا اظن هذا مساغ نقد لدى بعض التيارات التربوية والاجتماعية الحديثة، بل كيد من تجاهل العارف في اقتحام صور ماضينا الجميل بشتى صور الاخلاقية والاجتماعية الاصيلة والجغرافية الاصلية والفرعية.
لا اظن ذلك حتى وان تخلعت ابواب الشامية وهوت شامخات بيوتها وسقطت أرضا، ودفنت على اثرها حدود (عتبات ودكاك ومقاعد) الرجال، فإن هناك روابط روحية ومعنوية لا تزال ثابتة وشامخة لم تسقط، ولن تسقط حتى وإن تلاشت برحة القطان ومحيت برحة الزينة واقتلع باب الزيادة وجف بازان الحارة، وتلاشت قلعة الجبل، بل ستظل صامدة وشامخة شموخا جغرافيا واجتماعيا وتاريخيا..
ستظل آثار (الجبلاوي) مرسومة فيها، منذ أن مد جهد وأوقف الخير على ابناء وطلبة مدارس: تحضير البعثات والمعهد العلمي السعودي والعزيزية وعرفات، أبناء بروا بأم القرى الجغرافية- مكة، وبأمهم الروحية- المدرسة، وبرزوا في ناصية المجتمع بأسهم مختلفة في أركان الجهات الجغرافية والتعليمية والسياسية والاجتماعية والاعلامية والطبية وغيرها من العلوم الأخرى.. انهم ابناء الشامية: دكاترة علم وطب، ووزراء دولة وسياسة، وضباط عسكرية، وخطباء اعلام، وفرسان كثر في ميادين الأدب والثقافة.
انها حارة الشامية بمكة المحمية، وأبناؤها الذين (نفستهم) بنفوس زكية، ترعرعوا في ربوعها وتشربوا صافي نبعها، برزوا فيها صباهم وشبابهم، نهلوا من مدارسها علومها ومبادئها تربوا على آدابها وأخلاقها، ذاقوا حلوها ومرها، عاشوا أفراحها وسايروا احزانها، وهاهم اليوم يحسرون عن مكنون موروث مربيهم آباء وعلماء ومدرسين، عمدة ومعلمين مهنين ورجال حارة كانوا موفقين جملة في اختيار الافضل وانتقاء الاقوى في سير حياتهم، بل وادخروا ذلك لحياة ابنائهم ولأبناء اجيال لاحقة بذورا اضافية لغرس معالم تربوية وفكرية وتاريخية على ما كانوا عليه من نبيل الروابط الاخوية والاجتماعية، وقد تركوا الحبل على الغارب وتوسدوا الاطمئنان بفضل الواحد المنان.
تعليق..
ذات وقت بعيد مضى ..وحين نادى الكاتب السعودي
الأستاذ عبدالله أبو السمح
بإخلاء كامل المنطقة المحيطة بالحرم المكي من سكانها
وتحويلها الى منطقة سياحة دينية
حينها وقع شيء في نفسي من حديث أبو السمح ..
لما لتلك المنطقة من إرتباط روحي وإرث فكري
وإجتماعي لدى سكانها .. وذلك ماامتد ليشمل بقية أحياء
مكة المكرمة وأهلها.. وقد أورد الأستاذ أبكر جزء من تلك
تلك القيم الرفيعة التي تمثلت في عادات وموروثات أهل الشاميه وماحولها ..
تلك القيم الرفيعة التي تمثلت في عادات وموروثات أهل الشاميه وماحولها ..
واليوم .. تحققت رؤية أبو السمح ..
.. فهنيئا للمنطقة الجديدة بسكانها الجدد ..
حجاج بيت الله الحرام .. لقد دأبَ أهلُ مكة الطيبة على أن يشرعوا لكم أبواب قلوبهم
قبل بيوتهم .. فلتحلوا أهلا .. ولتنزلوا سهلا
"وهج"



























05 اكتوبر, 2008 08:54 ص